محمد متولي الشعراوي
9408
تفسير الشعراوي
تبارك وتعالى لذلك يُلقِي سبحانه أوامره وهو واثق أنها ستُنفذ ؛ لأنه سبحانه مِلكٌ حقّ ، بيده ناصية الأمور كلها ، فلو لم يكُنْ سبحانه كذلك ، فكيف يقول للشيء : كُنْ فيكون ؟ فلا يعصاه أحد ، ولا يخرج عن طَوْعه مخلوق ، فيقول له : كُنْ فلا يكون . فالحق تبارك وتعالى أنزل القرآن عربياً ، وصرَّف فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً ؛ لأنه من حقه أن يكون له ذلك ؛ لأنه مَلِك حق ليس له هوى فيما شرع ؛ لذلك يجب أن تقبل تشريعه ، فلا يطعن في القوانين إلا أن تصدر عن هوى ، فإنْ قنَّن رأسمالي أعطَى الامتياز للرأسماليين ، وإنْ قنَّن فقير أعطى الامتياز للفقراء ، والله عَزَّ وَجَلَّ لا ينحاز لأحد على حساب أحد . وأيضاً يجب في المقنِّن أن يكون عالماً بمستجدَّات الأمور في المستقبل ، حتى لا يستدرك أحد على قانون فيُغيِّره كما يحدث معنا الآن ، وتضطرنا الأحداث إلى تغيير القانون ؛ لأننا ساعة شرعناه غابتْ عنا هذه الأحداث ، ولم نحتط لها ؛ لذلك لا استدراكَ على قانون السماء أبداً . وطالما أن الحق سبحانه وتعالى هو { الملك الحق } [ طه : 114 ] فلا بُدَّ أنْ يضمن للخلق أنْ يصلهم الكتاب والمنهج كما قاله سبحانه ، لا تغيير فيه ؛ لذلك قال عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] . نحن الذين سنحفظه ؛ لأن البشر جُرِّبوا في حِفْظ مناهج السماء ، ولم يكونوا أمناء عليها ، فغيَّروا في التوراة وفي الإنجيل وفي الكتب المقدَّسة ، إما بأن يكتموا بعض ما أنزل الله ، وإما أنْ ينسُوا بعضه ،